سهيلة عبد الباعث الترجمان
347
نظرية وحدة الوجود بين ابن عربي والجيلي
وجوده ، وهي موجودة به لا معه فالوجود له ، والماهيات والمقادير والكيفيات والصور لها لا له ، فهي على ما عليه من العدم ، وهو على ما عليه من الوجود « 1 » . أما من حيث اختلاف الصور الظاهرة في الدنيا والآخرة في جميع الموجودات فهي ليست غير تنوعه ، إذ أن الحق الظاهر هو عين كل شيء ، وفي الآخرة يكون باطن الإنسان ثابت ، فإنه عين ظاهر صورته في الدنيا ، والتبدّل فيه خفي وهو خلقه الجديد في كل زمان الذي هم فيه في لبس ، وفي الآخرة يكون ظاهره مثل باطنه في الدنيا ، ويكون التجلي الإلهي له دائما بالفعل ، فيتنوع ظاهره في الآخرة كما كان باطنه في الدنيا في الصور التي يكون فيها التجلي الإلهي ، فكل ظاهر في العالم صورة ممثلة كيانية مضاهية لصورة إلهية ، لأنه لا يتجلى للعالم إلّا بما يناسب العالم في عين جوهر ثابت . وقد وصف الحق نفسه على ألسنة رسله بما وصف به العالم كله قدما بقدم ، وفي ذلك يقول شعرا : فعين الخلق عين الحق فيه * فلا تنكر فإن الكون عينه فإن فرّقت فالفرقان باد * وإن لم فاعتبر فالبين بينه « 2 » وقد حدد ابن عربي طبيعة هذه التجليات بعدم التناهي إذ لا بداية لها ولا نهاية ، وإن تناهت الأعمار في الدنيا فلا نهاية لها في الآخرة « 3 » . فإذا كان إيجاد الخلق على هذه الصورة من التجلي بعد أن لم يكن ، فما الغاية إذن من هذا التجلي ؟ . يطلعنا ابن عربي هنا على السر الكامن وراء الخلق والإيجاد بالتجلي ، فممّا لا شك فيه أن لكل خلق غاية ، والحق لم يوجد الكائنات إلّا لغاية ، ولما كان الحق غنيا عن العالمين فهو ليس محتاجا إلى عباده سوى في تقديسه وعبادته ، كذلك ليكشف عن الكنز المخفي في ذاته وليعرف بأسمائه وصفاته ، ولهذا كانت هذه الحياة للأشياء ذاتية لأنها عن التجلي الإلهي للموجودات كلها ، ولأنه خلقها لعبادته ومعرفته ، إذ أن الذات مجهولة
--> ( 1 ) النابلسي ( عبد الغني ) ، خمرة الحان ورنّة الألحان ، شرح رسالة الشيخ أرسلان ، مخطوط ، مكتبة رياض المالح ، دمشق ، ورقة 3 . ( 2 ) ابن عربي ، الفتوحات ، الجزء الثالث ، ص 614 . ( 3 ) المصدر السابق ، الجزء الرابع ، ص 522 .